البخاري
تصدير 22
صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )
ومعنى ذلك أنّه كان يميل إلى كتب الحديث والفقه ويؤثرها بالقراءة والحفظ ، فابن المبارك ووكيع من أئمة المحدثين ، ومؤلّفاتهما في الحديث وعلومه ، وأصحاب الرأي - في العرف المشهور - هم رجال المذهب الحنفيّ ، وكلامهم وكتبهم في أحكام الشريعة والفقه . ولعله ممّا يتبادر الآن إلى الأذهان أن نسأل : ما الذي أفاده البخارىّ في هذه السنوات الخمس ؟ وما مقدار ما جمع بهذا الدأب في الطلب ، وبهذا التنويع في طرق التحصيل ؟ . والجواب : أنه جمع من رواية الحديث ووعى من معارفه مقادير كبيرة لا يستطيع غيره أن يحصلها في هذه المدة القصيرة ، وإذا كان من غير الممكن تحديد هذه المقادير بحساب دقيق ، فمن الممكن إدراكها على وجه التقريب ، وذلك من قصة جرت له في هذه الفترة ، ويرويها محمّد بن أبي حاتم فيقول : « سمعت سليم بن مجاهد يقول : كنت عند محمّد بن سلام البيكندى ، فقال لي : لو جئت قبل لرأيت صبيا يحفظ سبعين ألف حديث . قال : فخرجت في طلبه ، فلقيته ، فقلت : أنت الذي تقول : أنا أحفظ سبعين ألف حديث ؟ قال : نعم ، وأكثر ، ولا أجيئك بحديث عن الصحابة أو التابعين ، إلّا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ، ومساكنهم ، ولست أروى حديثا من حديث الصحابة أو التابعين ، إلّا ولى في ذلك أصل أحفظه حفظا ، عن كتاب اللّه ، أو سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « ( طبقات الشافعية 2 - 218 ) .